الشيخ محمد الصادقي
325
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وهنا نرى تلك الأنفس الفالتة عن عقولها ، المتخبطة في كل حقولها ، ترجع إلى أنفسها عند الجواب الحاسم القاصم : فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ 64 . بادرة خير في أنفسهم الخاوية ان يحكموا بظلمهم أنفسهم دون إبراهيم ، حيث « أنتم » تحصر « الظالمون » فيهم ، تبرئة لساحة إبراهيم عن الظلم فيما فعل ، بل هو العادل فيما فعل حيث رجّعنا إلى أنفسنا واشعرنا بظلمنا أنفسنا . فاتحة فيها بارقة الأمل كما تفأّل : « لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ » تفتحا لبصائرهم لأوّل مرة في حياتهم المشركة ، وتدبرا في ذلك السخف الذي كانوا عنه صادرون ، والظلم الذي كانوا هم فيه سادرون ، وقد قالوا من قبل « مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ » فما مضى إلّا آونات حتى حكموا على أنفسهم : « إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ » وما أحلاه كلمة حق على لسان المبطل بحجة رسالية وامضة كهذه ، تجعل حجتهم داحضة وتراهم « فقالوا » كل للآخر ؟ والكل غرقى في لجة الحجة ! ولم يكونوا ليصارحوا بهذه النكسة أمام إبراهيم ! أم كل لنفسه في نفسه ؟ وهذه قضية الموقف ، و « أنفسهم » دون « بعضهم إلى بعض » كما « اقبل بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ . قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ » ( 68 : 31 ) دون « عَلى أَنْفُسِهِمْ » . وقد تعني « أنفسهم » هنا ما عنته « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » رجوعا لكلّ إلى نفسه ، ثم إلى الآخرين دون مصارحة تعرف ، في لمحات وإشارات فيما بينهم ، ولكن إبراهيم وهو شيخ العارفين عرف رجوعهم إلى ذات أنفسهم فضلا عن إشاراتهم لمن سواهم ، ومن ثم أدركتهم الحيرة وعقد الحصر ألسنتهم فأطرقوا برؤسهم منكرين واستجمعوا شارد عقولهم : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ 65 .